السيد كمال الحيدري
97
الإنسان بين الجبر والتفويض
أوّل ما يلحظ على هذا الكلام أنّه يتضمّن خلطاً بين العلّة الحقيقيّة المفيضة للوجود والعلّة المعدّة . فقد جرى العرف العلمي في هذا البحث إلى تقسيم العلّة إلى العلّة الحقيقيّة وإلى المعدّات ، وإطلاق اسم العلل على المعدّات إنّما يأتي تجوّزاً ، وإلّا فهي ليست عللًا حقيقيّة ، بل هي مقرّبات تقرّب المادّة إلى إفاضة الفاعل « 1 » . هذا المعنى يحويه قوله سبحانه : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْنَحْنُ الزَّارِعُونَ ( الواقعة : 63 - 64 ) حيث نسب الحرث والعمل في الأرض وإلقاء البذر إلى الزارع ، بيدَ أنّه نسب الإنبات والنموّ حتّى يبلغ الزرع الغاية إلى نفسه . ومعنى ذلك أنّ الزرع لكي يخرج من الأرض لابدّ من تحقّق عدد من المقدّمات التي تُهيّأ لإفاضة الإنبات والنموّ . وفي مثال البناء وغيره يلحظ أنّ البنّاء ليس من العلل الحقيقيّة الموجدة للبناء ، إنّما هو من العلل المعدّة لحدوث الاجتماع بين أجزاء البناء . فحركة يد البنّاء علّة لحركة الأجزاء من موضع إلى آخر ، ثمّ إنّ اجتماع الأجزاء واستقرارها في مواضعها يكون علّة لحدوث شكل البناء ، ثمّ تكون الخصائص المادّية في هذه الأحجار من قابلية التماسك والالتصاق واليبس ونحوها هي العلّة المبقية للبناء إلى مدّة معيّنة « 2 » .
--> ( 1 ) ينظر في ذلك كمثال : بداية الحكمة ، للعلّامة محمد حسين الطباطبائي ، تحقيق : عباس الزارعي ، مؤسسة النشر الإسلامي ، الطبعة السادسة ، 1419 ه - : ص 86 . ( 2 ) ينظر في ذلك : التحصيل ، بهمنيار المرزبان ، تصحيح وتعليق : الأستاذ مرتضى مطّهري ، منشورات جامعة طهران : ص 526 .